عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

263

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

ومن غرائب كرامات ابن الجعد المذكور أيضاً ، وكرامات شيخه الشيخ سالم المتقدم ذكره أنه استأذنه في زيارة الكثيب الأبيض ، وهو كثيب يزوره أهل تلك البلاد وما حولها من البلدان في كل سنة في وقت معلوم في رجب ، وكان استئذان ابن الجعد لشيخه في زيارته في غير الوقت المذكور ، فلم يأذن له ، وقال : أخشى أن تسيء الأدب هنالك ، ويقال في ذلك المكان قبور بعض الصالحين ، فخالف أبي الجعد شيخه ، ومشى إلى الكثيب المذكور ، فبات عليه ، ورأى بعض الصالحين فيه يصلي ، فلم يكلمه حتى صلى الصبح ، فصلى معه مقتدياً به ، فلما سلما مكث كل واحد منهما في مكانه ، ثم رنق ذلك الشيخ ، فانتظره ابن الجعد للسلام عليه ، حتى ارتفعت الشمس ، فلم يرفع رأسه ، وهو لا يرى إلا دلقه ، فمد يده ، وحرك الدلق ، فلم يجد فيه أحداً فلبسه ونزل به إلى أسفل الكثيب راجعاً إلى مكان شيخه ، فوجد ديناراً ، ثم صار في أول كل يوم يجد ديناراً ينفق ذلك على الفقراء أين ما كان ، فبقي على ذلك سنة ، ثم قال له شيخه : سافر للحج ورد الوديعة إلى صاحبها يعني بها ذلك الدلق ، وقال له : ما قلت لك أني أخاف عليك أن تسيء الأدب في زيارة الكثيب ، فخرج إلى الحج ، فلما كان يوم الوقوف بعرفة ظهر له صاحب الدلق ، وقال : هات الأمانة مع بقاء أجر ما تجده كل يوم عليك إلى أن ترجع إلى بلادك ، فلم يزل يجد كل يوم ديناراً ينفقه على الفقراء إلى أن رجع إلى بلاده . ومن كرامات الحضرميين الآخرين أعني أبا عباد ، وأبا معبد أن الأول منهما أعني أبا عباد رأى بعضهم نهراً يجري من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زاويته في بلاد حضرموت ، وفسر ذلك بأنه مدد منه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ظاهر من حاله ، فإنه ما زال من زمانه إلى الآن زاويته عامرة بتلاوة القرآن والإذكار والرزق عليهم من فضل الله تعالى مدراراً . ومن كرامات الثاني أعني أبا معبد أنه كان ينزل في البرية ، فيتفجر أنهاراً ، فينتقل إليها الناس ، ويغرسون فيها ، ويزرعون ، فإذا بهجت بالبساتين ، واختلط أبناء الدنيا بالمساكين ، وسارت بالخضرة والزينة زاهرة . انتقل إلى برية مجدبة دامرة ، فإذا سكنها صار هو وأصحابه يسبحون الله تعالى ويذكرون ، فانفجرت فيها بقدرة الله تعالى عز وجل العيون ، ثم كذلك إذا صارت كما تقدم يهرب منها إلى محل المحل والعدم ، وكانت الدنيا تطلبه ، وهو يهرب منها ، ثم استقر بعد حيث شاء الله تعالى ، ولم يمل عنها .